
كان وجهي تحت حذاء الجندي (12)
في سجن المخابرات العسكرية ،ولدى عبد الله السنوسي المقرحي رئيس هذه المخابرات ودائما في طرابلس ،كان أحد أيام الجمعة بعد الظهر ،وفيما يبدو كان لديهم نقص في عدد الجنود الجلادين لذهابهم في العطلة الأسبوعية يوم الجمعة بأعتبارهم من المسلمين ،ليصلوا ويدعو ويستمعوا إلى خطبة معمر القذافي ! .
صدرت الأوامر بتعذيبي ،ربما كان العقيد (أني زعيم عالمي)منسجم في حفلة وسط عصابته من أبناء عمه امثال خليفة حنيش فأراد أستكمال سعادته بتعذيبي في تلك اللحظة ،وفي بعض الأحيان كانت تصدر الأوامر في السادسة صباحا بتعذيبي (الصفع على الوجه والبصق عليه) عندما يريد اللص الذهاب للفروسية ...وأي فارس هذا ؟! .
- كنت أشعر بذلك ،لأنه في صمت قبو المخابرات العسكرية ،أسمع من بعيد صليل هاتف السجان القابع عند مدخل القبو ،ثم أسمع أقدام الحيوانات من الجلادين ،وهم قادمين نحو زنزانتي من بعيد ،حتى يفتحوا مزلاجها بقوة ،ليصرخوا في (أنهض يا أمسخ )! .
- نعم لقد أصبح شعب برقة أمسخ ،منذ ذلك الصباح الذي أستولى فيه أمسخ وعنصري (سرت)النصاب على أشرف مملكة ليبية عرفناها ،ونصب على الشعب الليبي بأصدار بيانه الكاذب والمزور بأسم (العقيد سعد الدين بو شويرب)ولم يكن (سعد الدين)هنا ولا يعلم بما يقوم به النصاب !وحبك عبارات النصب على الشعب الليبي(يا أبناء عمر المختار ورمضان السويحلي وعبد النبي بالخير...لا مغبون ولا مظلوم....سائرة إلى الأمام وصاعدة إلى العلى )وإلى ما هنالك من هذا الدفنقي كما يقول احدهم ! .
- الذين درسوا القانون يعرفون أن جريمة النصب تتكون من ركن مادي وهو (أستخدام وسائل احتيالية)وهذا ثابت من كلمات البيان ونسبته إلى شخص غير موجود(سعد الدين بو شويرب) ولم يشارك في طبخة النصب على الليبيين ،بنفس طريقة (سلطة الشعب)!!ونفس قصص كثيرة في تلفيق الجرائم للأبرياء ،والركن المعنوي لجريمة النصب هو (قصد الحصول على أموال المجني عليه)وهو الشعب الليبي بثروته البترولية وعقاراته وحتى أمواله في المصارف ،التي أصبحت جميعها تصب في جمعيات خيرية لبنت النصاب عيشة (واغتصبوا)وجمعية سيف (وأشربوا من مياه البحر) والحاجة صفية ،ويا بهية خبريني يا بوي علي سرقوا أموال أبوه ،وبعد سجنوه 11 عاما في كاراج خالي بعد فقد عقله رموه !!.
- بعد ظهيرة تلك الجمعة الحزينة نزل جلاد أحتياطي جديد ،وعلقوني في حبل الفلقة ورفعوني بينهم إلى أعلى كأنني شاة ،,أخذوا في ضربي على أقدامي بخرطوم بلاستك غليظ وثقيل مما يستعمل في أنابيب الغاز،وكم كانت المفاجأة بالنسبة لي عندما وضع الجلاد الجديد قدمه فوق وجهي الذي كان يتحرك فوق الأرض ،ليمنعني من الحركة ،وهو يضغط بكل ثقل قدمه وقلبه ،وقلب الأعرابي العفن صاحب جريمة الفاتح والفاسد من سبتمبر ،وكم مات في تلك الأقبية من أبناء ليبيا والمثقفين من شباب ورجال ،وكان منهم أبن خالي أحمد أسماعيل مخلوف وعمره 21 عاما، الذي حطموا رأسه تحت هرواتهم ،مع أن هذا الشاب طالب في كلية الحقوق وعلى درجة عالية من الأخلاق وطيبة القلب،وقد شاهد هذه حالتي الجلاد (محمد على النائلي) عندما دخل فجأة ووجد وجهي يسحق تحت حذاء الجلاد الأحتياطي الجديد .
- ثم يأتي هؤلاء الأوغاد لينكروا أن الممرضات البلغاريات وأشرف الحجوج أبن الشعب الفلسطيني المقهور مثل الشعب الليبي لم يعذبوا ،وأنا ما زال آثار حبل الفلقة في قدمي اليسري حتى تاريخ كتابة هذه السطور .من حق الشعب الليبي الشك في أن معمر القذافي ليس ليبي ،ولكنه مدسوس على هذا الشعب للأنتقام منه ،وأعتقد ان وراء العملية الطليان ،لأن عداء هذا الوغد لشعب برقة العظمى يدعو إلى العجب ،ومنذ ان أغتال آدم الحواز ولفق قصة المؤامرة مع مصطفي الخروبي لجناح برقة البطل ،الذي كان له الدور الأكبر في أحتلال معسكر قرناده ،ولو بقيت على الجبان النصاب لما كان بإمكانه ان يفعل أي شئ ،لكنه وبصراحة بارع في تلفيق الجرائم للأبراء وسرقة ثروة شعب جهارا نهارا ،وجمعيات اولاده بالملايين خير شاهد على ما أقول ،لكن نهايته الدامية ، لن يصدقها ولن يتصورها كيف ستكون له ولأسرته المجرمة.
الطريق إلى معسكر العزيزية (1)
القصة الكاملة لاعتقالي فى معسكر القذافي وقصره
فى 10 فبراير أو 12 فبراير 1978 وعقب خروجي من مستشفى البلدية فى بنغازي،فى أعقاب إجراء عملية جراحية على دمل كان يصيبني كلما زادت المطاردة اليومية فى بنغازي .كان قد تم طردي مع 11 محاميا بعضهم أنزل درجة وبعضهم طرد نهائيا من مهنة المحاماة،وكنت واحد من ثلاثة تم طردهم نهائيا، وهم منصور الفيتوري وعبد الحميد البكوش وعبد الحميد بن حليم..وكنت أتوقع هذا العدوان مبكرا،فقمت بعمل متجر لاستيراد المواد المنزلية تحت منزل الأسرة مباشرة .
فى حوالي الساعة العاشرة صباحا حضر شخص من مباحث مديرية أمن بنغازي،وطلب منى الحضور عند ضابط تحقيق يدعى محمد سالم من البحث الجنائي،فيما يبدو خريج من كلية الحقوق حديث العهد،فقلت له سأغلق المتجر وآتى خلفك بسيارتي،وكان هدفي هو ترك سيارتي أمام مقر البحث الجنائي بجوار مدرسة شهداء يناير بشارع جمال عبد النكسة،حتى تعرف أسرتي بمكان وجودي،ولا تفقد أثري.
دخلت إلى مقر البحث الجنائي فى الطابق الأول أو الثاني،لأجد درجات المبني مملؤة بالقذارة وورق تغليف السندوتشات،وكالمعتاد فى أغلب مقار بوليس الدول العربية (عصابات لا تخضع لقانون)فكيف تحترم نفسها،هي ومن تقوم على خدمته .
جلست فى الانتظار دون أن أعرف الأسباب،حتى طلبوا مني مرافقة سائق إلى مكان غير معروف،كان عبارة عن معسكر الحرس الجمهوري،والذي كان سابقا مجرد مدرسة للجالية الإنجليزية،عندما اطلب مفاتيح ملاعب التنس من الملحق التجاري لا يبخل،حيث أعيدها فى نفس المكان،فتحولت إلى معسكر لإرهاب المواطنين فى قلب ضاحية (البركة) التى لا تبعد عن وسط المدينة سوى كيلو متر تقريبا..كنت قد حضرت أكثر من مرة إلى هذا المعسكر فى السابق لألتقي بالضابط (مصطفي الخروبي) وهو أحد أفراد عصابة النصب،فى مناسبات بشعة،ثم بالرائد سليمان محمود فى مناسبات دون ذلك بشاعة ،سأتحدث عنها بالتفصيل فيما بعد .
دخلت بي السيارة فى آخر المعسكر حيث يوجد سجن صغير،وأخذوا ما معى من نقود ومفاتيح وأودعوني زنزانة صغيرة جدا لها حوائط بالقيشاني كأنها حمام .فى حوالي منتصف النهار فتحوا باب الزنزانة وطلبوا منى الخروج وسلموني ما أخذوا منى،فاعتقدت أنهم سيفرجون عنى،ولكنهم طلبوا منى الصعود فى سيارة رانج روفر خلفها سيارة أخري من نفس الطراز،وبكل سيارة مجموعة من جنود الجيش،كلهم بدون شك من قبيلة وأقارب معمر القذافي أو سكان الصحراء،ولم أعرف منهم سوي (المهدي)الذى جلس فى المقدمة بجوار السائق ووضعوني بالخلف ،وترجع معرفتي بالمهدي،إلى أنه كان الجندي الذى يعمل فى خدمة الرائد (سليمان محمود) ويحضر لي الشاي كلما جاءت بي الصدفة فى زيارة للدفاع عن مصلحة لمضرور من أبناء الوطن . سألتهم إلى أين ؟..والسيارات تهرع بي فى أنجاه الغرب وهى تخرج من مدينة بنغازي ..فقال المهدي ..فى طريقنا إلى طرابلس ،فقلت له أين ؟فقال ستعرف بعد ذلك،ولا داعي للتفكير وأنت صاحب حكايات فى التلفزيون ودعنا نحكي !!.(البقية فى الحلقة القادمة).
الطريق طويل والرفاق أعداء (2)
كانت سيارات البوليس العسكري(رانج روفر)واحدة أجلس بها،وواحدة خلفنا تقطعا الطريق الطويل الممتد من بنغازي إلى طرابلس مسافة حوالي ألف كيلو متر..أما الرفاق ممن يرتدون القبعات الحمراء،والنساء العجائز ترتدي مثل هذه القبعات فى سويسرا ولديها كل الألوان أيضا بما فى ذلك قبعات الوحدات الخاصة!.
كان الجنود وهم مسلحون بالمدافع الرشاشة،يرتدون ملابس عسكرية من أفخم القماش،وتبدو عليهم معالم الصحة والعافية والحياة السعيدة،غير أنهم نادرا ما يتحدثون،ومن خلال بعض الكلمات الغير واضحة فهم يتحدثون بلهجة قبيلة (سرت)الصحراوية بينهم،وهى ليست لهجة أبناء المدن والقرى القريبة منها،مثلا يقولون عن الأكل (أيكال)وينظرون لأبناء المدن باعتبارهم يهود ودونهم رجولة..وإذا استثنينا كلمات (المهدي) التى تبادلها معى عند بداية الطريق،وربما لتهدئة حالة الرعب التى ظهرت على وجهي! فلم يجري بيني وبين هؤلاء الناس أي حديث،حتى عم المساء ونزلوا أمام أول استراحة لتناول بعض الطعام،ليقول لي أحدهم عندما رفضت الأكل أو بلهجتهم (الأيكال)من الأحسن لك أن تأكل لأنك لا تعرف ماذا ينتظرك!.
الحقيقة أنني أريد قبل مواصلتي الحديث واكتشافي عند نزولهم للأكل(الأيكال) لمواطن مصري كان هو الآخر ضحية ومعتقل يركب فى السيارة الثانية..
أريد الحديث عن صورتين الأولي لحالة مدينة بنغازي التى غادرتها من ناحية المطاردة اليومية على يد جماعات من سقط المتاع أو الغوغاء،قد حصلوا(كارت بلان)أو شيك على بياض باستباحة جميع حريات الناس وعلى كل صعيد والثانية عن لقاء فى الإذاعة مع شخص سأتحدث عنه فيما بعد أيضا:
كانت المراقبة فى مدينة بنغازي هى إرهاب بل مطاردة،والى حد تصل إلى درجة الاستفزاز المفضوح بالنظرات والتصرفات والطواف بمنازل المواطنين فى شكل دوريات..والمضحك المبكى أن بعضهم من نفس جهاز الضبط القضائي الذين كنت أعرفهم بحكم عملهم معى،حيث ضمهم القذافى فى جهاز واحد لمطاردة المواطنين حيث لم يعد هناك بعض المجرمين والجانحين ،ولكن أصبح جميع أبناء الشعب الليبي فى نظر القذافي وأبناء قبيلته هم من الجانحين و(البرجوازية)و(الرجعية)المتعفنة !!على حد قوله فى خطبه العلنية،وإلى أن يثبت البعض منهم الولاء بالدخول معه فى وظيفة يدفع عربونا لها العدوان على حقوق الإنسان والحصول على مقابل مالي غير مشروع ،كما حدث مع رفاق كانوا معى فى كلية الحقوق وهم الآن شاركوا ويشاركون فى العدوان اليومي على الشعب الليبي،ورهن أشارة صاحب الأمر الوحيد فى(الجماهيرية)ذلك الاسم المصنوع على هوى ورغبة صاحب أول وآخر (الجماهيرية العربية الليبية الاشتراكية الشعبية العظمى)وهى فى حقيقتها ليست تسمية لدولة،ولكنها(غناوة علم)..والناس عيدها بعزيز وأحنا الياس عيده بعيدنا!!.حقوق الملكية للأستاذ (جاب الله).
كانت تطوف بمسكن أسرتي سيارة بها شاب كان يعمل فى شرطة الآداب،حيث تم فى أعقاب نجاح الانقلاب إلغاء شرطة الآداب ونقلوهم كنوع من العقاب إلى منطقة نائية،ثم عادوا بهم للحاجة ليضموه إلى البوليس السري لمطاردة المواطنين . كانت تقف سيارة (بيجو)بيضاء كل يوم فى مواجهة وبجوار النادي الذى أزاول به رياضة التنس،وتغادره عند مغادرتي له فى نفس الدقيقة(عيني عينك) .
فى أحد الأيام التقيت بصديق من أصدقاء الدراسة الثانوية،يدعى فتحي الكردي يدرس فى أمريكا،وكنت أسير معه وأحسست بشخص يسير خلفي وعن قرب شديد ليستمع إلى ما أقول،وكان من جماعة البحث الجنائي أو المباحث (كله تخلف وقرف!)..أردت ومن باب تخفيف وطأة المطاردة الوقحة وتنبيه الصديق إلى ما يدور خلفه..فقلت له (يا فتحي..يبدو أن هذا الرجل يريدك)..فرد المخبر ومن باب رد النكته بأفضل منها(لا والله ما أنريدك إلا أنت يا أستاذ فوزي)!.
تحدثت فى بداية هذه المذكرات عن أنه تم القبض علي فى أعقاب أجراء عملية جراحية على دمل،وحتى قبل إجراء التخدير بقليل كانت مفاجأة أن دخل على فى حجرة العمليات الصول (مفتاح بوغراره)من الذين كانوا يعملون معى فى البوليس القضائي فى شرطة الآداب،ليصافحني ويرجو لي عملية ناجحة !!..طبعا كان يستطيع الدخول لأي مكان بإبراز بطاقة البوليس،وكأنني سرقت مسكن أم العقيد ليلة الفاتح من سبتمبر الأغبر وكتابه الأخضر،وكما يقول أهل طرابلس أو ربما تونس(نهار أحرف)!.
لكن ما لا يخطر على بال أحد والإذاعة الليبية فى بنغازي وقبل أن يظهر (محمد المجدوب)ويعرفه الناس إلى جوار القذافي فى خطاب (طرابلس)وحكاية (إنه فتح مكة)!حيث أنفجر جميع الجالسين بالضحك فى فندق البحر الأبيض إلى جواري !!..وكان هناك شاب راقص لا أقول إنه ضحك،ولكنني أطلب موافاتي باسمه لمن يعرفه ..وهو راقص من مدينة درنة ومطرب فى أغنية (الشتاوه)،ولا أستطيع القول بأنه كان من ضمن جهاز المخابرات !،ولكنه غضب منى لأنني ضحكت عليه فى أثناء المزاح،كما ضحكنا عندما صرخ معمر القذافي كعادته فى الخطب الخطيرة!..صرخ بتلك الجملة ذات المغزى التى لم يفهمها الناس عندما قال (إنه فتح مكة)!والسبب بسيط..منذ ذلك التاريخ1978 استبيحت ليبيا بقضها وقضيضها وعن آخرها،بما فى ذلك الاستيلاء على عقارات ومساكن الناس الخاصة (مسكني الخاص أستولي عليه ضابط يدعى حسين الفيتوري).
لا يفوتني الحديث عن تلك الجلسة فى الإذاعة فى بنغازي،حيث كنت من المترددين عليها بحكم تعاوني فى تقديم برامج،وبحكم تربيتنا الديمقراطية والليبرالية فى عهد الملك بالمقارنة مع حكم الأعرابي العائد لقبيلة(سرت)فقد كنت أجلس فى الإذاعة بكل طمأنينة أتحدث بكل عفوية،ولا أفكر فى جواسيس ومخابرات،وكان فى بداية الأمر قد انتشرت مجموعة من الشباب فى أعقاب الانقلاب مثل (نجيب الحصادي)الذى وضعه القذافي مراقب إذاعة بنغازي باعتباره ناصري،وهو شاب معوق يمشى الهوينا كما يمشى الوجي الوحل ،ومن يعرف الوسط الفني والأدبي والثقافي يجده وسط محب للحديث بحرية وبدون خوف أو رغبة فى العدوان ونوايا تآمرية،غير أن القذافي كان قد دس فى الإذاعة مجموعة من الشباب الذين يدرسون فى كلية الحقوق ليحيطوا بنا من كل جانب،ويتحدثون فى كل شئ حتى لا يثيرون أي ريبة بيننا..ومن بين هؤلاء(عمار لطيف)و(عبد القادر البغدادي)و(إبراهيم البشاري)و(رمضان عبد الله)و(مفتاح بوكر)ومباشر أصبح مذيع(عبد الله عبد السلام) وشاب من طراز الشيوعي الحالم بغد غير موجود أبدا(وهو حامل الوثيقة المكتوبة بدم المرأة)!!فى أحدى المرات أقترح على تقديم برنامج عنوانه (المصطبة)!يقول مثالنا الشعبي(السلعة اللى ما تشابه لأهلها بطالة).المهم فى هذا الهم !..أنني وفى عهد(إبراهيم سكح)مراقب لإذاعة بنغازي،والحقيقة كلهم كانوا يتظاهرون بشخصية أناس على درجة عالية من الطيبة وأجادوا هذا الدور،وكانوا جهاز مخابرات ناجح..والحق ما شهد به الأعداء..
وجدت نفسي جالس بمكتب المراقب (سكح)ويجلس معى أيضا شابين عاديين،وكنت أتحدث عن برنامج الأستاذ (فرج الشويهدي)الذى لم أفهم من خطابه أي شئ،وربما هو اليوم من كبار كتاب الفقه العالمي الجديد !.
تحدثت وضحكت كالعادة،ولكنني لم أعرف هاذين الذين كانا يجلسان معى وربما أيضا يضحكا،وخرج (سكح)وتركنى معهما!!..سألته عنهما عندما ألتقيت به عائدا إلى مكتبه،فقال لي (أنا لا أعرفهما وقد وجدتهما مثلك بالمكتب)!!شدت أنتباهى هذه الإجابة الغامضة،وكما قال رئيس حكومة ليبية سابق(قلنا ما علينا)!كان كل منهما يرتدي(بوت)مثل حذاء العقيد فى ذلك الوقت،الذى أصبح موضة فى بلد ترتفع فيه درجة الحرارة إلى ما فوق الأربعين،ويضاف لهذا تسريحة بشعر متهدل يستحق أن يتحجب صاحبه حتى لا يوقع فتنة بين الحيوانات،وفوق البيعة عباءة أعرابية صرفة تعود لعهد معاوية أبن أبي مفلس..وكمية من التراب المتوفر فى جو(الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمي)ويمكنك تصور مشقة نطقها،عند الذين يعانون من أزمات صدرية وضيق فى التنفس ! (البقية فى حياتكم)وفى الحلقة القادمة .(من الإذاعة إلى خليفة حنيش)أو (مونتجمبري الجماهيرية)،والذي حرر ليبيا بسبع دبابات كما قال لي،وهو يهددني بالتعليق فى باب المعسكر إذا لم أقول الحقيقة ..(يا سمسار!ويسألني هل أشرب فى الخمر أم أتعاطي فى المخدرات ؟!) .وهذا ما خلى الزمان فى صولة الجبان ..من الكتاب الأسود .
توقفت مسيرة قطاع الطرق (3)
الطريق طويل والرفاق أعداء ،يمكنك أن تستعير حتى عنوان فيلم (ليل وخونه)أو (القساة)وهذا التعبير الأخير يطلقه أبناء الشعب المصري من البسطاء أو العامة على (الجاهل)حيث يقولون (قاسي)وهم على حق فالجاهل بالمعنى الإنساني للكلمة هو قاسى بطبيعته ،وذلك ما عرفه الشعب الليبي فى رئيس عصابتهم المنبطح اليوم .
فى حوالي الثامنة مساءا توقفت مسيرة قطاع الطرق أمام مقهى صغير بعد مسافة مرهقة لم أتبادل فيها كلمة واحدة مع أي واحد منهم ،ربما كان هناك اثنان بجواري والمهدي الغير منتظر يجلس بجوار السائق ..وحتى لا يفوتني مشهد يستحق الذكر ،ذلك أنني كنت أشاهد على امتداد الطريق فى الاتجاه المعاكس سيارات المواطنين وهى تفسح الطريق مع عمل أشارة تحية وسلام بالنور،وربما لأنهم كانوا يشاهدون الموكب الجنائزي وكل سيارة منه مزركشة بالأحمر والأبيض، وبأعلاها مصابيح تحذير تطلب إفساح الطريق باعتبارهم قد أحضروا إنسان برئ ليعبث به راعي المعيز السادي(القذافي) لمدة من الزمن فإذا مات سلمه إلى أسرته مثلما سلم أبن خالي (أحمد مخلوف)وإذا عاش حتى ذهبت حالة المرض النفسي، فقد كتبت له حياة جديدة مثل حياة أي صرصار (ليبي حر سابقا)يلقى به فى الطريق تحت عبث اللجان الثورية لباقي عمره..
نسبة كبيرة من شعبنا وللأسف الشديد وكما هو الحال فى البلاد المجاورة ،تعاني من ثقافة ذل وقوادة ينطبق عليها القول الشعبي (مادح بلا بندير يا بال حضره سايره)حتى قال فيهم شخص يعمل مخبر فى سفارة ،لقد كانوا يقدمون المعلومات أكثر منا،حتى أنهم جعلونا أمام السلطة فى وضع محرج وكأننا لا نقوم بالواجب على الوجه الصحيح !. وهذا سبب رئيسي فيما لحق من دلال ودلع بالقائد وعصابته نتيجة لانتشار شخصية النميمة والوشاية و(أنا باعشقك أنا ..أنا كلي لك أنا)..لابد من فضح هذه النماذج الباهتة بيننا وفى كل مكان .
لقد حولوا بقوادتهم مجرد ملازم أول لا تتجاوز رتبته نجمتين ،لم يدخل بهما معركة ولا حتى تمرين بالذخيرة الحية ،ولا تتجاوز ثقافته حتى القدرة على نطق أمريكا بشكل صحيح أو حتى كلمة أكل ،ويعانى من حالة نفسية تظهر فى عدم قدرته على الحديث بدون تقطيع فى العبارات ..على رأي المصريين (ما بيجمعش)..( أني ..آآآ ..كيف أنقولوا..أنا نا نا..واحد منكم غير..ق ق قادر ..أنه ..يقوم)كم أن الحياة رخيصة ولا تستحق أن يخاف عليها الإنسان عندما يعيش فى دولة يسيطر على مقدراتها معوق وقاتل دموي،بينه وبين الحضارة المسافة التى قطعها الصاروخ الأمريكي حديثا 450 مليون كيلو متر إذا صدقت (التاكزه)..و(زيدى فى اليمين وأنقصي فى اليسار)!.نتيجة لثقافة الشعب الليبي الذى لا يعترض ولا يحتج ولا يسأل عن أشياء إن تبدي له تخيفه ! .
تم تحويل عسكري لا علاقة له بالحكم ولا بالسياسة ولا يتجاوز عمره فى ذلك التاريخ الأغبر 27 عاما إلى رئيس مجلس قيادة الثورة ووزير الدفاع وقائد الجيش ورئيس مجلس القضاء الأعلى..وفيما بعد (الخليفة والسلطان ومولانا وسيدنا وحبيبنا وبابا معمر) ..وليس فيها وصف واحد جاء من ثقافة دولة القانون ،ولا يمكن فى هذه الدولة أن يتواجد شخص يجمع ما بين قيادة الجيش ورئاسة مجلس القضاء الأعلى ،إلا فى دولة مولانا باعتبار الحاكم ظل الله فى الأرض الغير مسئول أمام أي مواطن ،لأن المواطن والوطن هو بمثابة مزرعة دواجن يملك فيها مولانا قطع رقبة أي دجاجة فيها،لأن تصرفه يخضع لحكم القضاء والقدر الذى لا راد له !!.
إنها ثقافة فاشية ستالينية ،تضع الإنسان فى قالب ،وتجعل من عقله مجرد جهاز استقبال ويديه وقدميه وفمه أدوات تنفيذ مثل الجلاد (محمد النايلي)وعبارته الشهيرة لكاتب هذه السطور الذى كان يوجهها لي كلما دخل إلى الزنزانة مع مجموعة من أعوانه ليقوم بتعذيبي ،مثلما يحدث لأبناء الشعب الفلسطيني فى سجون إسرائيل بل وأشد بشاعة منه ،حين يفتح الزنزانة فجأة دون أن أسمع خطواته عند وصوله إلى المكان ليصرخ فى وهو ينضر نحوي بعينين تتوعد بالويل ليقول لي (أنهض يا أمسخ)! أو يخاطبني بالمؤنث (أنتي)! .
كان أصدق تعبير عن حالتنا خلال الرحلة عندما نزل من السيارة الثانية التى كانت تسير خلفي شخص لم أراه جيدا ،وأخذ يقذف ما فى معدته بصوت مسموع ،ودخلنا إلى المقهى الصغير يحيط بنا الجنود ..أنا وهذا الرجل . شد أنتباهى مظهره،فهو رجل حسن الهندام ،فاختلست فرصة كنا ندور فيها حول بعضنا مع الجنود ،وهم يبحثون عن (الأيكال) حسب لهجة عصابة (سرت)وليس الأكل حسب لغة (البرجوازية)العميلة لليهود والطليان و(الميريكان)حسب لغة الشيخ (الزوبيك)!.
سألت صاحبنا المسكين وبسرعة عن سبب وجوده فى هذا الموكب الحزين ،فاخبرني بأنه مهندس مصري وقبضوا عليه لسبب لا يعرفه.كان وهو يتحدث فى حالة معنوية سيئة جدا..وكم عاني أبناء الشعب المصري من عدوان القذافي وصدام ،ولكن لا أحد يدافع عنهم ..لا رئيس دولتهم ولا صحافتهم ،التى شاهدت واحد منها ليلة الثلاثاء فى برنامج الجزيرة (وإلى ما هنالك من هذا الكلام)! هذا (السخفي)وليس الصحفي وأسمه (سيد نصار) ولا هو سيد ولا نصر حتى شعبه !يتفاخر بأنه مكث مع صدام أكثر من ساعتين وألتقي بجميع الحكام العرب،ولا يخجل من كونه قد جلس مع الجلاد الذى بعث من أبناء شعبه عشرات الجثث فى صناديق أدخلوها من القاعة الخلفية لمطار القاهرة دون أن يجد هؤلاء الشهداء من يثأر لهم ..وهل يثأر أمثال نصار المرتزق ،ومن باب العلم فإن الصحافة المصرية والسعودية ومن على شاكلتها من مرتزقة الكلمة ..تستحق منا جميعا وقفة حازمة فى مساندتها لكل ظالم ،وهى التى باعت شعبها لكل حاكم فى الداخل ثم وسعت تجارة القوادة لتشمل جميع الشعوب التى يحكمها قتلة أمثال صدام والقذافي وحسني طوارئ وبن علي وصاحب (الجلابه)..كانت النتيجة عند التركتور فيصل أبو باروكة ،كالمعتاد لصالح الذى كان يعطيه أكبر فرصة من الكلام وينحاز له فى عملية رخيصة ومفضوحة لم يعد أحد يصدقها بقدر ما أصبحت تكشف حقيقة محطة الأعراب(بطون بدون عقول ولا ضمائر).
فى منتصف الليل كنا نخترق شوارع مدينة طرابلس الحزينة جدا،النائمة تحت الأضواء البرتقالية المعتمة ،فى سجن مساحته بمساحة وطن ،وجدت نفسي فجأة فى مواجهة بوابة وأسوار معسكر (باب العزيزية) .
الحقيقة كنت فى حيرة أن أجد الوصف المناسب لأسوار معسكر (شارون ليبيا)فوجدت بالصدفة (سور الفصل العنصري)الذى بناه (شارون)لكي يفصل فيه الأراضي المحتلة ،وكان يطابق تماما لسور القذافي فى البناء والارتفاع ،وسأضع صورة هذا السور..بل ويستطيع اي ليبي مشاهدته على الطبيعة حتى يتأكد بنفسه من صحة ما أقول على الواقع .
يحيط هذا السور بمعسكر العزيزية حيث يعشش قصر عدو الشعب الليبي،وقد قطعت جميع الطرق والشوارع حول هذا المعسكر،حيث تتواجد من حوله فيلات أبناء عم العقيد وأبناء قبيلته الذين يحرسونه،بعد أن سرق الثروة والسلطة والسلاح من الشعب الليبي فى أبريل عام1977 ..وأنا شاهدته فى أحدي المرات عند مروري من هذه المنطقة من جميع الجهات وما حل بالشوارع المحيطة به من تقطيع،لأمن حبيب الشعب الذى يحكم نفسه بنفسه ! .
كانت هناك دبابة على مدخل هذا المعسكر قد شهرت مدفعها على القادمين لهذا الوكر اللعين ،وربما أكون قد شاهدت أيضا نفقا تحت الأرض قد خرجت منه الدبابة أو الذبابة ويؤدى إلى مستودع فرقة من الذباب ،وهذه حقيقة فما بحوزة عدو ليبيا سوى ذباب وقذارة فلم ينفع صديق ولم يحرر شبر من فلسطين التى بني عليها عملية النصب وباسمها (القدس)!
جنود الحراسة يطلبون الترخيص :
تقدم نحونا جنود حراسة المدخل ليتبادلوا بعض العبارات وربما سلمت لهم أوراق أو مراسلات بخصوص الطرود البشرية التى كانت بالسيارتين .
أجتزنا بوابة أخطر معسكر ،لا يحتاج اقتحامه لو توافر السلاح أو حتى بالخناجر لو توافرت العزيمة لأي مجموعة من الشباب لانتزعوا السلاح من مجموعات الأعراب الجبناء الواقفين أمامه فى دقائق،ولأجد نفسي أصعد وسط الجنود إلى مجموعة من المكاتب فى مبني من دور واحد على يسار مدخل المعسكر ..وفى هذا المبني يتواجد الضابط (خليفة حنيش)الذى لم يراه الشعب الليبي ولم يسمع به إلا يوم إعلان سلطة الشعب !ليحضر القذافي شاهد الزور الشهير المعتوه (عبد السلام جلود)ويقول فى التلفزيون بمناسبة السطو على سلطة الشعب ..أنه شاهد الصول (خليفة حنيش)يحضر الذخيرة !وربما قال هذا فى رواية جديدة من روايات (قصة الثورة)التى يقوم بتأليفها قائد الكذب والتردي كل عام .أما المعلومات التى أخبرني بها من يعرف عمل خليفة حنيش فهو كان صول فى مطابخ الجيش والعهدة على الراوي،وليس عندي أي فارق بين طباخ وطبيب فى الاحترام ،ولكنني لا أفضل رؤية أمثال هؤلاء القتلة واللصوص فى مركز رأس الدولة حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه .
أوقفوني أمام مكتب به ضابط فى الخمسين من العمر له وجه حاد الزوايا مضلع ،يعشش فوقه العنكبوت ،ولكنه على درجة من الأدب وقدموا له أوراق الطرود التى كانوا يحملونها معهم من بنغازي ،حيث لم نعد أبناء وطن وسادة تقوم على رعايتنا دولة شرعية تعتبر مسؤولة عن بقرة فى العراق وليست مسئولة عن مذبحة عثمان والحسين .
منذ متى توقف العدوان على الإنسان فى عالمنا القومي المسلم ،والذي يعتبر أشرف واطهر بلاد العالم بشهادة شيوخ الدين،ومن أراد أن يكذب على نفسه لا يمنعه أحد ،يقول المثل المصري (أنصحه وغشه)!..أو (خليه على عماه)..ودعوا الناس فى غفلا تهم يرزق الله بعضهم من بعض -حديث شريف .
أدخلوني فى مكتب صغير به سرير ،ونزعوا جميع الخرائط التى كانت على الحائط ،وعندما أردت إطفاء النور حتى أنام ،منعني الجندي الواقف على باب المكتب ،فاضطررت للنوم تحت الأضواء . كان الباب مفتوحا والجندي قد شهر سلاحه فوق رأسي،والحر بالله قد ذهب فى نو